يحيي بن حمزة العلوي اليمني
70
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لا غير من غير حاجة إلى اللفظ لا على جهة القصد ، ولا على جهة التبعية . وثالثها : أن الفصاحة عبارة عن الألفاظ باعتبار دلالتها على مسمياتها المعنوية ، وهذا شيء حكاه ابن الخطيب في كتاب النهاية ولم يعزه إلى أحد من علماء البيان . وحاصل مذهبهم أن الفصاحة عبارة عن الأمرين جميعا ، فلا هي من أوصاف اللفظ كما زعمه ابن الأثير على الخصوص ، ولا هي من أوصاف المعاني على الخصوص كما حكيناه عن ابن الخطيب . ورابعها : أن تكون الفصاحة مقولة على الأمرين جميعا ، فتكون مفيدة لهما جميعا فيكون الأمران جميعا أعنى المعاني والألفاظ من مسمى قولنا : فصاحة ، وهذا المذهب يخالف المذهب الثالث ، فإن هؤلاء جعلوا اللفظ والمعنى من مدلول لفظ الفصاحة . والذين قبلهم جعلوا اللفظ هو مسمى الفصاحة ، لكن اعتبار المعنى على جهة الضم والتبعية لا غير . فهذا تقرير مذاهب العلماء في مدلول لفظ الفصاحة ، وفائدة إطلاقه . والمختار عندنا تفصيل نشير إليه ، وهو أن الفصاحة من عوارض الألفاظ ، لكن ليس بالإضافة إلى مطلق الألفاظ فقط ، ولكن بالإضافة إلى دلالتها على معانيها ، فتكون الفصاحة عبارة عن الأمرين جميعا مطلق الألفاظ ودلالتها على ما تدل عليه من معانيها المفردة والمركبة ، وهذا المذهب هو الذي حكاه ابن الخطيب عن بعض علماء البيان . ويدل على ما قلناه وجوه ثلاثة : أولها : قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من البيان لسحرا » والبيان هو الفصاحة ، لأن البيان هو الظهور ، وذلك لا يستعمل إلا في الألفاظ ، ولا بد من اعتبار دلالتها على معانيها ، لأنا لو لم نعتبر ذلك لكانت الألفاظ مما يمجها السمع ، وينبو عنها الطبع ، فضلا عن أن تكون سحرا . فإذن لا بد من اعتبار الأمرين في كون الكلام فصيحا ، ومراده عليه السلام بقوله « لسحرا » يعنى أنه يحير العقول في حسنه ورونقه ، ودقة معانيه ، وعن هذا قال بعضهم : فصاحة المنطق سحر الألباب . وثانيها : أنهم يقولون في الوصف كلام فصيح ، ومعنى بليغ ، ولا يقولون معنى فصيح ، فدل ذلك على أن الفصاحة من متعلقات الألفاظ ، وأن فصاحته إنما كانت باعتبار ما دل عليه من حسن المعنى ورشاقته . وفي هذا دلالة على وجوب اعتبار الأمرين في فصيح الكلام كما قلناه .